مجموعة مؤلفين

266

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

في حضرة بطونه العلمي حقيقة ، ولحقيقتك فيها حكما ، ورشّ عليها بحسبها رشاش الوجود الوحداني ؛ وذلك الحكم قاض بكونك مربوبا لا ربا . « فلا بد لك » عند هذا التمييز » أن تكون في بينونة » وسطية « تقتضى الاستواء » بين شهود الحق والعبد معا ، بشرط التمييز بين المشهودين من غير مغالبة ومزاحمة ؛ - « وتقتضى » أيضا « العلم بالمقامين مع تجردك عنهما » - بمعنى أن لا تكون إذ ذاك ربا ولا عبدا : فإنك إن تقيدت بالربوبيّة تحقيقا انحصرت فيها فامتنع تقيدك حالتئذ بالعبودية ، وبالعكس أيضا كذلك . فإذا انطلقت عن القيدين وتجردت عنهما أشرفت باستوائك على الطرفين وميزت بين المقامين ، ورأيت الرب ربا إلى لا غاية ، والعبد عبدا إلى لا غاية . ولذلك قال - قدس سره ! - : « حتى تراهما » - أي ترى الحق ممتازا عن العبد والعبد عن الحق ، من غير اتصاف كل منهما بصفات الآخر ، كما هو مقتضى المنازلة . « فكأنه - قدس سره ! - يقول : أن لا توحيد مع شهود هذا التمييز . فإن إطلاق التوحيد الأحدى قاض بسقوط السوى عن العين ، وعين العبد في البينونة ثابتة معها مشهودة . ولا جمع أيضا . فإن مقتضى الجمع خفاء حكم التميز بين أفراده ، أو بقاء آحاده بلا عدد وكثرة . والتميز بين الرب والعبد والمقامين ، من حيث كونهما طرفي البينونة ، ظاهر محقق فيها . وبقاء العدد والكثرة فيها أيضا مشهودة . - فافهم ! « ولذلك قال - قدس سره ! - : « فخجل ( الجنيد ) وأطرق حيث لم يجد تخليص حكم توحيده عن الشبه . - « فقلت له : لا تطرق ! نعم السلف كنتم » حيث مهدتم الطريق بآداب إلاهية وروحانية موصلة إلى المطالب الغائبة ، الكامنة في بطائن الاستعدادات ، المتهيأة للكمال . - « ونعم الخلف كنا » حيث تأسينا في مناهج ارتقائنا بكم تأسيا به ظهرت لنا ودائع استعداداتنا فظفرنا فيها بما يغنيكم في الآجل ولم تف أعماركم لتحصيله في العاجل . « فالآن ، « إلحظ الألوهية من هناك » أي من لدن حصولك في البينونة